د حافظ أحمد عجاج الكرمي

38

الإدارة في عصر الرسول ( ص )

لم يكن أهل مكة يخضعون لحكم ملكي أو وراثي ، فليس هناك ملك متوج ، ولا رئيس واحد يحكمها ، وإن كان هناك شخص بارز في « الملأ » هو بمثابة رئيس الملأ إلا أنه لا يستطيع أن يقرر أمرا بعيدا عن مجلس « الملأ » « 1 » ، وهكذا فإن هناك تشابها كبيرا بين مجلس « الملأ » في مكة ، وبين مجلس « شيوخ أثينا » - في القديم - الذين كانوا يجتمعون في المجلس ( EKiesia ) للنظر في الأمور « 2 » . لقد تطورت الممارسات الإدارية في مكة لتصبح « المشورة » وظيفة خاصة يقوم بها أناس من ذوي الرأي والعقل والحنكة ، وكان بنو أسد هم أصحاب هذه الوظيفة ، فكان أهل مكة إذا أرادوا أمرا ذهبوا إلى « يزيد بن زمعة » ( ت 8 ه ) من بني أسد ، فيعرضونه عليه « فإذا وافقهم والاهم عليه ، وإلّا تخيّر وكانوا له أعوانا » « 3 » . وقد حاول بعضهم أن يخترق النظام الإداري لمكة ويعلن نفسه ملكا عليها ، فذهب « عثمان بن الحويرث » « 4 » إلى قيصر ، وطلب منه أن يملّكه على قريش ، مقابل أن يدخل قريشا في طاعة روما ، ويبدو أن الحكام البيزنطيين رأوا في عثمان الشخصية التي يمكنهم بها أن يلعبوا دورا ما في الجزيرة العربية ، ولكن أهل مكة رفضوا أن يتملك عليهم عثمان ، وانتهى الأمر باغتياله في بيت أحد أقربائه في مكة « 5 » . أما « الإدارة الدينية » في مكة فتشمل الوظائف الخاصة بالكعبة ومناسك الحج ، وقد قسمت هذه الوظائف بعد وفاة قصي بين بطون مكة وأفخاذها « 6 » .

--> ( 1 ) قال تعالى : وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] . قال ابن عباس : « القريتان : مكة والطائف ، والرجلان : عروة بن مسعود والوليد بن المغيرة » . انظر : الرازي ، تفسير ( ج 27 ، ص 209 ) . والقرطبي ، الجامع ( ج 16 ، ص 83 ) . السيوطي ، الدر المنثور ( ج 7 ، ص 374 ) . ( 2 ) جواد علي ، المفصل ( ج 4 ، ص 47 ) . ( 3 ) ابن عبد ربه ، العقد الفريد ( ج 3 ، ص 236 ) . وانظر : الألوسي ، بلوغ الأرب ( ج 1 ، ص 249 ) . أحمد أبو الفضل ، مكة في عصر ما قبل الإسلام ، ( ط 1 ) ، الرياض ، مطبوعات الملك عبد العزيز سنة ( 1398 ه ، 1978 م ) ( ص 60 ) . ( 4 ) الأزرقي ، أخبار مكة ( ج 1 ، ص 144 ) . والزبير بن بكار ( 256 ) جمهرة نسب قريش وأخبارها ، تحقيق محمود شاكر ( ج 1 ) القاهرة ، دار العروبة ( 1381 ه ) ( ص 209 ، 210 ) . والفاسي ، شفاء الغرام ( ج 2 ، ص 108 ) . وجواد علي ، المفصل ( ج 4 ، ص 92 ) . ( 5 ) الأزرقي ، أخبار مكة ( ج 1 ، ص 144 ) . العقد الفريد ، ابن بكار ، جمهرة ( ص 210 ) . والفاسي ، شفاء الغرام ( ج 2 ، ص 108 ) . ابن حزم ، جمهرة ( ص 118 ) . الزّبيدي ، مصعب بن عبد اللّه ( 236 ه ) نسب قريش ، نشرة بروفنسال ، دار المعارف د . ت ( ص 210 ) . ( 6 ) ابن هشام ، السيرة ( م 1 ، ص 130 ) ( ابن إسحاق ) . وابن سعد ، الطبقات ( ج 1 ، ص 72 ، 73 ) . -